اللجنة العلمية للمؤتمر

67

مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للشيخ ثقة الإسلام الكليني

وتجاوزهم لإرادتهم وأخذ زمام الاختيار بأيديهم ، وانتخابهم للطريقة المثلى لموتهم ، يُعدّ انتصاراً باهراً في تلك الظروف الحرجة القاهرة . ولقد قلت - عن مثل هذا - في كتابي الحسين عليه السلام سماته وسيرته ما نصّه : وهل المحافظة على النفس ، والرغبة في عدم إراقة الدماء ، والخوف من القتل ، أُمور تمنع من أداء الواجب ، أو تعرقل مسيرة المسؤوليّة الكبرى ، وهي : المحافظة على الإسلام وحرماته ، وإتمام الحجّة على الأُمّة بعد دعواتها المتتالية ، واستنجادها المتتابع ؟ ! ثمّ هل تُعقل المحافظة على النفس ، بعد قطع تلك المراحل النضالية ، والّتي كان أقلّ نتائجها المنظورة القتل ؟ ! إذ أنّ يزيد صمّم وعزم على الفتك بالإمام عليه السلام الّذي كان يجده السدّ الوحيد أمام استثمار جهود أبيه في سبيل المُلك الأُموي العضوض ، فلا بدّ من أن يزيحه عن الطريق . ويتمنّى الحكم الأُموي لو أنّ الحسين عليه السلام كان يقف هادئاً ساكناً - ولو للحظة واحدة - حتّى يركّز في استهدافه وقتله ! ! وحبّذا لو كان قتل الحسين عليه السلام بصورة اغتيال ، حتّى يضيع دمه وتهدر قضيّته ! ! وقد أعلن الحسين عليه السلام عن رغبتهم في أن يقتلوه هكذا ، وأنّهم مصمّمون على ذلك حتّى لو وجدوه في جُحر هامةٍ ! وأشار يزيد إلى جلاوزته أن يحاولوا قتل الحسين أينما وجدوه ، ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة ! فلماذا لا يبادرهم الإمام عليه السلام إلى انتخاب أفضل زمان ، وفي أفضل مكان ، وبأفضل شكلٌ للقتل ؟ ! الزمان عاشوراء المسجّل في عالم الغيب والمثبّت في الصحف الأُولى وما تلاها من أنباء الغيب الّتي سنستعرضها ، والمكان كربلاء الأرض الّتي ذُكر اسمها على الألسن منذ عصور الأنبياء . أمّا الشكل الّذي اختاره للقتل ، فهو النضال المستميت ، الّذي ظلّ صداه ، وصدى بطولاته ، وقعقعات سيوفه ، وصرخات الحسين عليه السلام المعلنة عن أهدافه ومظلوميّته ، مدوّيةً في أُذن التاريخ على طول مداه ، يقضّ مضاجع الظالمين ، والمزوّرين للحقائق .